آثار استعمارية: تشكل الهوية الوطنية في الأردن
المؤلف : جوزيف مسعد
ترجمة: شكري مجاهد
عدد الصفحات :470 صفحة
دار النشر : مدارات للأبحاث والنشر
الطبعة الأولى يناير 2019
كان مسعد قدّم هذه الأطروحة لنيل درجة الدكتوراة من جامعة كولومبيا التي يُدرّس فيها اليوم،
لكنّها لم تحظَ وقتها بالاهتمام الكافي، بحكم نشرها باللغة الإنجليزيّة لأوّل مرةٍ عام 2001.
تُرجمت في مطلع العام الماضي إلى العربيّة، مع إضافاتٍ أدخلها الكاتب عليها، لتثير بعضَ النقاش في الأوساط الأردنيّة.
يركّز مسعد في تحليله لتكوّن الدولة، ومن ثمّ تشكّل الهويّة الوطنيّة في الأردن، على دراسة التحّولات في المؤسّستَيْن القانونيّة والعسكريّة، مُنافيًا من يسمّيهم بـ”الوطنيين الإقصائيين”، وعلى رأسهم الراحل ناهض حتر الذي كان يروّج لجذورٍ أردنيّةٍ تاريخيّةٍ انعكستْ على نشوء الدولة وتشكّل هويّتها حتى قبل إعلانها دولةً.
يُفرد مسعد مساحاتٍ واسعةً من كتابه لنقاش تلك الجدالات والرّد على المنطق “الإقصائي” الذي يتّبعه هؤلاء بحسبه.
غير أنّ ذاك التحليل ونقده مِن بعده غيّبا الشعب كفاعلٍ في تشكيل الهويّة الوطنيّة، يستحق المعالجة بنفس القدر الذي عالج به مسعد الدور المؤسساتي، الأمر الذي عرّض العمل لقصورٍ في التغطية أربكَ منتجه النهائي.
في الفصل الأول من كتابه الذي يتناول دور المؤسسة القانونيّة في صناعة الوطن، يستند مسعد إلى تنظير ماركسيين مُعتبرين على غرار “ألتوسير” و”غرامشي”، لإثبات أهمية المؤسسة القانونيّة في تشكيل الدولة الوطنيّة ورسم ملامحها، ومن ضمنها الهوية الوطنيّة بالطبع
يقول مسعد في معرض تمهيده للفصل الثاني: “فالزمن الوطني (أي زمن الثقافة التراثيّة والتقاليد)، بحسب التصوّر الوطني، تسكنه النساء (اللاتي تضعهنّ الوطنيّة البرجوازيّة في فضاءٍ منزليٍّ) ويسكنه البدو (أهل الصحراء غير الحضريّة). ويختلف هؤلاء عن الرجال وأهل الحضر (الذين يعيشون زمن الوطن الحديث)
يتناول مسعد قوانين الأحوال الشخصيّة المتتابعة ومدى الظلم الاجتماعي الذي توقعه على النساء، بالإضافة إلى العديد من القوانين الأخرى (قانون الجنسية، قانون العمل، قانون التقاعد، قانون الضمان الاجتماعي، قانون العقوبات) التي ترسّخ الظلم الاجتماعي تجاه النساء. في ضوء هذا، يبيّن مسعد تناقض هذه القوانين مع الدستور القاضي بمساواة الأردنيين أمام القانون، الأمر الذي يعزّز شكل هذا الظلم ويجعل منه عرفاً اجتماعيّاً مع الوقت
يقول مسعد في ختام الكتب ناصحاً أو”مُحذّراً”: “وربما تستطيع الحكومة الأردنيّة والوطنيون الأردنيون من خلال سياساتٍ منفتحةٍ (قانونيّةٍ وعسكريّةٍ بشكلٍ خاصٍّ) توحيدَ البلاد في ظلّ هويّاتٍ لا تستبعد إحداها الأخرى، وبالتالي استبعاد حربٍ أهليّةٍ ثانيةٍ سيخسر فيها كلّ الأردنيين، بصرف النظر عن أصولهم الجغرافيّة”
بنظري، تعبّر هذه النصيحة أو “التحذير” عن سوء قراءةٍ للواقع السياسي والاجتماعي في الأردن، ناهيك عن الاقتصادي الذي مرّ عليه مسعد مرور الكرام في هذا الكتاب، خصوصاً أنّه لا يضع الظروف الموضوعيّة بعين الاعتبار. ذلك أنّ واقع الصراع اليوم يتّخذ شكلاً اجتماعيّاً اقتصاديّاً يعتمد إلى حدٍّ بعيدٍ على معطيات الصراع الطبقي. فبينما يفترض مسعد (والكلام قبل عقديْن) إمكانيّة تصاعد حدّة الصراع الهويّاتي،
نرى اليوم هامشيّته بالمقارنة مع الصراع المبنيّ على القضية الاقتصاديّة الاجتماعيّة، خصوصاً وأنّ مسعد نفسه يذكر في الكتاب شواهدَ عديدةً حول اندماجٍ أكبر لجلّ المكوّنات المشكّلة للهويّة الأردنيّة في الدولة الوطنيّة، وإذ به فجأة يحذّر من حربٍ أهليّةٍ ثانيةٍ!
أخيراً،
يمكننا القول إنّ جوزيف مسعد قدّم في هذه الأطروحة الأكاديميّة لوناً جديداً لم يتمّ تناوله سابقاً بخصوص تأريخ تأسيس الدولة الوطنيّة في الأردن وتشكّل هويّتها، مستنداً في ذلك إلى جملةٍ من أدوات نقد الاستشراق ودراسات ما بعد الكولونياليّة، ليكشف عن العلاقة بين الدورَيْن الكولونياليّ والوطني في تطوّر مسار الدولة وهويّتها.
ورغم إضافته النوعيّة على هذا الصعيد، إلّا أنّه تنازل طوعاً عن تفكيك عناصر عدّةٍ كان بإمكانها إثراءُ هذا العمل ورفعُ قيمته كمرجعٍ تاريخيٍّ. إذ إنّ اقتصار مجال الدراسة على المؤسستيْن القانونية والعسكرية، قلّص بدوره من شموليّة العمل، تحديداً بتجاوزه دورَ السكان وسيرورة علاقتهم مع السلطة الحاكمة؛ فهو وإنْ كان عالجَ هذه العلاقة في بعض الفصول، إلّا أنّه لم يأخذها مرتكزاً لدراسته، كما فعل مع الجيش والمؤسّسة القانونيّة، الأمر الذي كان سيفتح أمامه حتماً مجالاً أكثر اتساعاً وتناسقاً لدراسةٍ أكثر عمقًا وقيمةً تاريخيةً.
بإمكاننا أن نتقّفى أثر هذا القصور في المعالجة في ما خلُص إليه مسعد في نهاية الكتاب،
حيثما الغيابُ لرؤيةٍ واقعيّةٍ لمآلات صراع الهويّة في الأردن، وحصره لهذا الصراع بين مكونيْن متضاديْن (شرق أردني وفلسطيني).
أنتجت هذه المسألة منطقاً شبيهاً بالمنطق الذي أعابَهُ على مَن سمّاهم بـ”الإقصائيين الوطنيين”، والذين عبّروا بحسبه عن رفضٍ لإدماج الآخر “الفلسطيني” في هذه الهويّة الوطنيّة. فمسعد إنْ اتّخذ موقف الدفاع عن الهوية المضادّة لهؤلاء (أي الفلسطينيّة) بغرض التصدي لهذا الخطاب الإقصائي، إلّا أنّه تجاهل في الآن ذاته تناول باقي مكوّنات هذه الهوّية وتأثيرها في تشكّلها ومن ثمّ تطوّرها، مقتصراً على ذكرها دون التعمّق في دراستها اجتماعيّاً.







المراجعات
لا توجد مراجعات حتى الآن.