المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
( 10 مجلدات )
للإمام ابن عطية الأندلسي،
والمعروف ب” تفسير ابن عطية ” ،
تحقيق:- مجموعة من الباحثين
كتب الدكتور محمد صالح سليمان
أبرز السِّمَات والصِّفات التي يلمحها المتأمِّل في شخصية ابن عطية النقدية، ب
حيث تكون هذه الصفات جليّة واضحة يتحلَّى بها السالكون لدروب النقد، والسائرون في طريقه؛ سواء منها ما ارتبط مباشرة بالنقد
أو ما كان لازمًا له أو سابقًا عليه منتلك الصفات،
السمة الأولى: الإخلاص في خدمة التخصّص:
إذا كان الإخلاص أمرًا غيبيًّا لا يطّلع عليه أحد إلا الله، وهو سرٌّ بين العبد وربّه،
فإنّ كلامنا عن هذه السمة مخصصٌ بإخلاصِ ابن عطية لتخصصه وتجرُّدِه في خدمة التفسير،
فهذا هو القَدْر الذي صرَّح به أو ظهرت آثار تصريحه لنا،
وهو الذي يمكننا التأسيس عليه هنا؛ فمَن تأمَّل تفسير ابن عطية، وأدمن النظر في كلامه، وتدبّر صنيعه في كتابه،
ونظر إلى بعض نصوصه =أدرك ظهور هذه السِّمَة عنده،
ولعلّ كلّ ما سيأتي ذِكْره من سمات ابن عطية النقدية في هذا المبحث مرجعه إلى تلك السِّمة،
فهي السِّمة الكبرى التي تتفرّع عنها بقية السِّمات؛ ولذا فإيرادها هنا لا يعني تخصيص نقد ابن عطية بها،
بل المقصود أنّ هذه السمة أصلٌ عام في تفسير ابن عطية، ظهر مصداقها في النقد وغيره.
و سأكتفي هنا بثلاث نقاط تبين المقصود، ولن أتحدث فيها عن ابن عطية كثيرًا،
وإنما سأفسح المجال لابن عطية نفسه ليتحدّث هو عن نفسه.
أولًا: استفراغ الوسع والطاقة في خدمة تفسيره:
لقد سخَّر ابن عطية كلَّ طاقاته وإمكاناته لخدمة علم التفسير وخدمة مصنَّفه فيه،
وبلغت عنايته به أنْ جعل تفسيره ثمرةَ وجوده، وهمّه الأوّل في حياته، وعانَى مِن أجلِ تجويده وإتقانه أشدّ المعاناة،
وقد حدّثنا عن انقطاعه للتفسير واهتمامه به،
فقال:
«فلما أردتُ أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أُعِدُّ أنواره لِظُـلَمِ رَمْسِي؛ سَبَرْتُها بالتنويع والتقسيم… فوجدتُ أمتنَها حبالًا، وأرسخها جباًلا، وأجملها آثارًا، وأسطعها أنوارًا =علم كتاب الله جلَّت قدرته؛ فثنيتُ إليه عِنَان النظر، وأقطعتُه جانبَ الفِكر، وجعلته فائدةَ العُمر، وما ونيتُ -عَلِمَ الله- إلا عن ضرورة، بحسب ما يلمّ في هذه الدار من شُغُوب، ويمسّ من لُغُوب، أو بحسب تعهُّد نصيب من سائر المعارف»
وقال مبينًا عنايته بتفسيره:
«وأنا وإن كنتُ من المقصِّرين؛ فقد ذكرتُ في هذا الكتاب كثيرًا من علمِ التفسير، وحملتُ خواطري فيه على التعب الخطير،
وعمرتُ به زَمَنِي، واستفرغت فيه مُنَنِي؛ إِذْ كتاب الله تعالى لا يتفسَّر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلتُه ثمرةَ وجودي،
ونخبةَ مجهودي، فليُستصوَب للمرء اجتهاده، وليُعْذَر في تقصيره وخطئه»
ثانيًا: جَعْلُ النفع الأخرويّ هو المعيار في اختيار التخصّص:
لم تكن نظرة ابن عطية للتخصّص في فنّ من فنون العلم نظرة دنيوية قاصرة؛
بل كان النفع الأخروي هو المعيار الذي صرّح بنظره إليه، واعتماده في اختيار التخصّص عليه،
وقد بَيَّن ذلك بقوله:
«فلما أردتُ أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أُعِدُّ أنواره لِظُـلَمِ رَمْسِي؛ سَبَرْتُها بالتنويع والتقسيم…
فوجدتُ أمتنها حبالًا، وأرسخها جبالًا، وأجملها آثارًا، وأسطعها أنوارًا =علم كتاب الله جلَّت قدرته، وتقدّست أسماؤه…
وأيقنتُ أنه أعظمُ العلوم تقريبًا إلى الله تعالى، وتخليصًا للنيّات، ونهيًا عن الباطل، وحضًّا على الصالحات؛ إِذْ ليس من علوم الدنيا فيَخْتِل
حاملُه من منازلها صيدًا، ويمشي في التلطف لها رويدًا،
ورجوتُ أنَّ الله تعالى يُـحرِّم على النار فِكرًا عَمَرْتُه -أكثر عمره- معانيه، ولسانًا مَرِنَ على آياته ومثانيه، ونَفْسًا ميَّزَت براعةَ رَصْفِهِ ومبانيه»
ثالثًا: تحقّق أمنيته وإجابة دعوته:
لقد كان التخصّص في علمٍ من العلوم، وإتقان أصوله، وإحكام فصوله، ومعرفة دقائقه، والإلمام بمسائله؛
أمنية تمنّاها ابن عطية ليكون مرجعًا في ذلك العلم، يصدر الناس عن قوله، ويستندون إلى رأيه، وقد حدّثَنا هو عن تلك الأمنية،
فقال: «…ثم رأيتُ أنَّ من الواجب على من احتبَى
، وتخيّر من العلوم واجتبَى، أن يعتمد على علمٍ من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه،
ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخِّص ما هو منه أو يؤول إليه، ويفي بدفع الاعتراضات عليه؛
حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد، والذخر العتيد؛ يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على مثاله»
وقد حقّق الله له ما تمنَّى؛ فصار ابن عطية عَلَمًا من أعلام المفسِّرين،
يرجع الباحثون إليه، ويعتمد المحقّقون عليه على مرّ الأزمنة والعصور، وتوالي الأيام والدهور.
وإذا كنّا نشهد بأعيننا تحقّق أمنيته، فنحن نشهد بأعيننا كذلك إجابةَ دعائه أن يبارك الله فيه وينفع به؛
فقد توجّه ابن عطية إلى ربه داعيًا لتفسيره بالبركة والنفع،
فقال: «وأنا أسال اللهَ جَلَّت قدرتُه أن يجعل ذلك كلّه لوجهه، وأن يبارك فيه وينفع به»
السِّمَة الثانية: الأدب الجمّ:
لقد كان الأدب الجمّ سمة من أهم السِّمَات التي اتسم بها نقد ابن عطية؛
فقد كان ناقدًا عفيف اللسان، واسع الصدر، حَسَن الخُلُق، ينتقي ألفاظه، ويَـزِن كلماته،
ويتروَّى في اختيار عباراته، وينتقد كلَّ قولٍ بحسب ما يليق به دون شَطَط أو تجاوز.
ومظاهر الأدب في نقد ابن عطية متنوّعة وعديدة، نقتصر منها على ما يأتي:
1) دعاؤه بالرحمة والمغفرة لمن انتقدهم
2) تبجيل أهل العلم ومعرفة أقدارهم:
ونستطيع استجلاء ذلك من خلال ما يأتي:
أ) إحسان الظن بالعلماء:
ب) إعذاره للمفسِّرين:
لقد كان ابن عطية وغيره من النقّاد على وعيٍ كاملٍ ويقينٍ تامّ بقاعدتين مهمّتين في باب النقد،
تأسّس عليهما اعتذاره عن المفسِّرين وغيرهم من أهل العلم:
القاعدة الأولى: أنه لا عِصْمة لعالِـم -مهما كَثُر عِلْمه- من الخطأ.
القاعدة الثانية: أنه ليس في أهل العلم الثقات من يتعمّد الخطأ.
من مظاهر التأهُّل العلمي عند ابن عطية في نقده:
الاستدراك على كثير من الأئمة في فنون العلم المختلفة:
استدرك ابن عطية على كثير من الأئمة، وانتقد بعض أقوالهم في القراءات والتفسير واللغة والفقه وغيرها من الفنون،
وكانت انتقاداته واستدراكاته محلّ إكبارٍ وتقديرٍ بين أهل العلم؛
فقد استدرك على الطبري، والمهدوي، ومكي بن أبي طالب، والنقّاش، والزجّاج، وأبي عليّ الفارسي، وغيرهم من أهل العلم؛
وهو في انتقاده يقارع الحُجّة بالحُجّة، والبرهان بالبرهان، ويذكر وجه استدراكه، والعلل التي بناه عليها.
معرفته بمذاهب المخالفين وأصولهم وتفطّنه لأقوالهم:
كان ابن عطية خبيرًا بمذاهب المخالِفين، عارفًا بأصولهم، متفطِّـنًا إلى حِيَلِهم، حاذقًا في الكشف عن كثير من أخطائهم وتلبيساتهم،
التي تَرُوج على كثير من أهل العلم ممن لا يوافقهم ولم يفطن لمقاصدهم، والأمثلة على ذلك كثيرة؛
من سماته النقدية-: روح الإنصاف:
مِن أهمّ سمات ابن عطية النقدية روحُ الإنصاف التي التزمها في غالب نقده؛
وصور الإنصاف والموضوعية في نقده كثيرة؛ منها:
تفريقه بين مَن تعمَّد الخطأ ومَن وقع منه سهوًا أو جهلًا:
إنصاف المخالفين له في المذهب والمعتقَد
تلك هي أهمّ سمات ابن عطية ناقدًا؛ وهي إجمالًا
الإخلاصُ في خدمة التخصص، وحُسن القصد، مع الأدب الجمّ، والتأهُّل العلمي، محلّى بروح الإنصاف







المراجعات
لا توجد مراجعات حتى الآن.